جميلة
بقلم: جميلة طلباوي
أشلاء العمر استطالت في ذاكرتي ،أوقفتني بقايا حلم في هذه اللّحظة مشدودة على سريري الكسول إلى اللّوز يبحر في شهد عينيها ،و السحر يفيض من تقاسيم وجه يتسع لخريطة وطن .
سافرت الكلمات من حلقها الذي مزقته دمعة تيّبست في الجفن إلى كهوف قلبي:
"كنّ جميلات ، صغيرات في سنّ الزهور "
و تناثر الربيع على شقوق الروح يستلهم أنواره من نظراتها التي أمعنت في اللاشيء النّاطق بكلّ شيء.
جهاز تلفاز ينقل صورتها و صوت المذيعة يحفر أخاديدا في سمعي:
كانت هذه شهادة المجاهدة الأسطورة جميلة بوحيرد" عن شهيدات الوطن ، رفيقاتها في النضال.
تعثّرت الكاميرا في دمعتها و تيّبستُ أنا في مكاني ، عشبة الوقت استطالت و تفرّعت أغصانها ، كبّلت يدي و رجلي ، ومع شعرها الكستنائي سافرت أحلامي ،تراقصت الذكرى مع حكايا الجدّة عن إمرأة أسطورة إسمها جميلة.
صوت أمّي تعالى مزّق أغشية كثيرة و ألقى بي على حافة لحظة أخرى و هي تنادي عليّ:
جميلة
منذ كم سنة نادتني أمي :
-جميلة
و قفزتُ من مكاني فراشة محلّقة أطير بجناحين من فرح و حلم ، ألبستني المئزر و ترنّحت الجديلتان فوق كتفي، محفظتي كم كانت ثقيلة أحملها و أمشي فأتمايل و أتعثّر، تضحك منّي الرفيقات و يصرخن:
-أسرعي يا جميلة ألست بطلة ؟
أستجمع قواي و أسرع حتى ألحق بهنّ ، بل و أسبقهنّ.
كانت لأشجار المدرسة ظلال تلحقني حتى نهاية الحلم تشبعني فرحا ثمّ تسلّمني لمسكننا الوظيفي الضيّق، و عندما أبكي في دلال و أقول لأمّي :
-لن أذهب إلى المدرسة اليوم أنا مريضة .
تشرق ابتسامة أمّي حتى تستحي الشمس منها و تقول لي:
-في مدرستك حديقة فيها الفراشات تطير و العصافير تغرّد ، هيّا إنّها تناديك يا جميلة ، أسرعي إلى المدرسة يا بطلة ، ستصيرين كبيرة ، ستخدمين الوطن .
اليوم لا شجر حولي، لا فراشات و لا عصافير ، أنهى والدي مدّة خدمته،
طردنا من المسكن الوظيفي و استأجرنا مسكنا تهدّدنا جدرانه يوميا بالانهيار ، لم تعد معنية بحمايتنا.
أسرعت ألبّي نداء أمّي، دسّت ثمن الحافلة في يدي، قبّلت جبينها لأسمع دعاءها ، غادرت المنزل و ابتلعني الشارع ، وقفت في المحطّة أتأمّل تمثال الأمير عبد القادر ، غمرتني نسمات منعشة و لم أعد أعبأ بلسعات الشمس ، يا لهذا المجد الذي يظلّلني .
فجأة تراءت لنا الحافلة و ماجت جموع المنتظرين في المحطّة و كأنّ ثورة ألقيت إلى الشارع ليحتضنها الشعب ، تدافعت الأجساد وتداخلت الركلات ، اندسّ جسدي النحيل وسط أكوام اللحم و العرق يغرقني و أنا أقاوم فالموعد اليوم مع عينيها و الشهد فيهما يناديني ، وجهها المسافر في المدى قد توضّأ بنور الشمس و حلّق بعيدا مع الحمام ، تعويذته تكفيني ، لا أحتاج إلى أشجار مدرستي الطويلة ، تخرّجت من الجامعة بتفوّق ، مرحلة أخرى أدخلها لأكون بطلة في أسرتي، قالت أمّي:
- أجرُ كراء البيت أنهك كاهلنا ، والدك مريض منحة تقاعده لا تكفي
لا حيلة لنا ، أيّة دراسة ستواصيلينها يا جميلة ، من يتقاسم معنا حمل إخوتك الخمسة؟
الطريق تعرّج و ظلال الأشجار تتبعني و كأنّها امتداد لطفولتي ، لظلّ محفظتي الثقيلة.
وقفت أمامها ، لم تكن شجرة عالية إنّما بناية شاهقة ، دلفت الباب، مشيت في الأروقة بحذاء ترهّل من كثرة ما مشيت به و صفعتُ وجه هذه الأرض حتى غضبت منّي و أرهقتني بصعود السلالم و كأنّي بها تقذف بي إلى السماء .
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ